محمد بن وليد الطرطوشي

367

سراج الملوك

وأصلح لقلبى ، وأشبه بسنة الصالحين قبلي ، وأجدر أن يقتدي بي من أتى من بعدي . وقال الحسن : إن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، بينا هو يعسّ في المدينة بالليل ، أتى على امرأة من الأنصار تحمل قربة ، فسألها ، فذكرت : أن لها عيالا ، وأن ليس لها خادم ، وإنها تخرج في الليل فتسقيهم الماء ، وتكره أن تخرج بالنهار ، فحمل عمر عنها القربة حتى بلغ منزلها ، وقال اغدى على عمر غدوة يخدّمك خادما ، قالت : لا أصل إليه ، قال : إنك ستجدينه إن شاء اللّه تعالى ، فغدت عليه فإذا هي به ، فعرفت إنه الذي حمل قربتها ، فذهبت تولى ، فأرسل في إثرها وأمر لها بخادم ونفقة . ولما حج عمر رضى اللّه عنه قال كم بلغت نفقتنا يا يرفأ « 2 » ؟ قال : ثمانية عشر دينارا يا أمير المؤمنين ، قال : ويحك ، أجحفنا ببيت مال المسلمين . وقال شهر بن حوشب « 3 » : لما قدم عمر الشام ، طاف بكورها « 4 » حتى نزل حمص ، فقال : اكتبوا لي فقراءهم ، فرفعوا إليه الرقعة ، وإذا فيها سعيد بن عامر ، فقال : من سعيد بن عامر « 5 » ؟ قالوا : أميرنا . فعجب عمر ، وقال : كيف يكون أميركم فقيرا ؟ فقالوا : إنه لا يمسك شيئا ، فبكى عمر ، وبعث إليه بألف دينار يستعين بها في حاجته ، فجعل يسترجع ، فقالت له امرأته : مالك ؟ أصابك أمير المؤمنين بشئ ؟ قال : أعظم من ذلك ، أتتني الدنيا ، دخلت علىّ الدنيا ، وإني سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن فقراء المسلمين يدخلون الجنّة قبل أغنيائها بأربعين عاما » « 6 » فو اللّه ما يسرّني أني حبست عن الرعيل الأول ، وأن لي به ما طلعت عليه الشمس ، قالت : فاصنع فيه ما شئت ، قال : هل عندك معونة ؟ قالت : نعم ، فأتته بخمارها ، فصر الدنانير فيها صررا ، ثم جعلها في

--> ( 2 ) يرفأ : خادم أو صاحب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما . ( 3 ) شهر بن حوشب : فقيه قارئ من رجال الحديث شامي الأصل ، سكن العراق وقد ولى بيت المال مدة ، وهو متروك الحديث ولكنه كان ظريفا ، من ذلك : قال له رجل : إني أحبك ، فقال : ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب اللّه ووزيرك على دين الله ومئونتي على غيرك مات سنة 100 ه ( الأعلام : 3 / 178 ) . ( 4 ) الكور : القرى أو البقع التي تجتمع فيها المساكن . ( 5 ) سعيد بن عامر الجمحي القرشي : صحابي ولاه عمر إمرة حمص بعد افتتاح الشام توفى فيها سنة 20 ه وكان مشهورا بالزهد . ( الأعلام 3 / 97 ) . ( 6 ) أخرجه ابن ماجة عن ابن عمر بلفظ ( أن فقراء المهاجرين . . . خريفا ) والحديث صحيح ( الجامع الصغير للسيوطي رقم 2305 ) .